كليه الحقوق جامعة بنها

كل ما يخص كليه الحقوق جامعه بنها (الدراسه & الامتحانات & والنتائج )


    منهج الإسلام في مكافحة الجريمة

    شاطر
    avatar
    الفارس العربي
    حقوقى مبتدئ
    حقوقى مبتدئ

    عدد المساهمات : 193
    تاريخ التسجيل : 30/11/2009
    الموقع : شبين القناطر القليوبية

    منهج الإسلام في مكافحة الجريمة

    مُساهمة من طرف الفارس العربي في الخميس يناير 28, 2010 12:07 pm

    منهج الإسلام في
    مكافحة الجريمة
    اعداد
    أسامة محمد عثمان












    المقدمة

    الحمد لله الذي أنزل الآيات النيّرات، فأخرج من شاء من الظلمات إلى نور الحق والبينات، وأضل من شاء بعدله وحكمته، فتردد في الغي والهلكات، أحمد ربي وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رب الأرض والسماوات، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، السابق إلى الخيرات، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه ذوي الدرجات. امابعد
    ان المطلع على احصائيات الجرائم الشهرية او السنوية في البلد الواحد أو الدولة الواحدة أو العالم بأسره وازديادها شهرا بعد شهر وسنة بعد اخرى يهوله كثرة عدد هذه الجرائم وتنوعها وازديادها، ويعتريه الالم الشديد من هؤلاء المنحرفين، فما منهج الاسلام في مكافحته للجريمة؟
    ان الاسلام هو الدين الخاتم الذي اراده الله أن يكون آخر الشرائع، وهو المنهاج الكامل الذي جاء ليحكم حركة الحياة، وإنه الدين الذي ارتضاه الله للناس كافة، وبتطبيقه يصلح الناس في دنياهم ويسعدون في آخرتهم، قال الله تعالى: قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم الى صراط مستقيم سورة المائدة آية 15-16 .
    وقد تميز الإسلام بمنهجه الفريد في مكافحة الجريمة واستئصالها من جذورها من خلال خطين متلازمين ومتوازيين، ألا وهما: الجانب الوقائي والجانب العلاجي، أما الجانب الوقائي فهو يمثل الخط الأعرض والأهم في معالجة ظاهرة الجريمة وأسبابها وظروفها.
    فالإسلام لاينتظر وقوع الجريمة حتى يتصدى لها، وانما يتخذ لها كل الاجراءات والتدابير، وما من شأنه الحيلولة دون وقوعها، وأما الجانب العلاجي، فهو لايكون إلا نهاية الأمر وعلى طريقة (آخر العلاج الكي)، والحق أن الإيمان والعبادات والأخلاق في الإسلام تمثل المنطلقات الاساسية في صياغة الانسان المسلم الصالح الطاهر العفيف في بناء الحياة والحضارة الراشدة، فالمؤمن لا يسرق ولا يكذب ولا يشرب الخمر.. ايمانه يردعه ويصده عن فعل المحرمات، وكذلك الطاعة والعبادة التي يقوم بأدائها، فهي تصده عن الوقوع في الإثم والمعصية، قال الله تعالى: >إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر< آية (45)سورة العنكبوت وقال تعالى: >ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون< آية (183) سورة البقرة وصاحب الخلق الحميد تمنعه أخلاقه من اقتراف المعاصي والآثام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها حين يشربها وهو مؤمن< رواه ابن ماجة، والإسلام يسعى الى بناء العقيدة في النفوس وغرس الاخلاق الفاضلة والخوف من الله، ويعتمد الإسلام كثيرا على المجتمع ويعلق عليه آمالا كبيرة في الوقوف أمام كل أشكال الجريمة والانحراف ومحاربتها والحيلولة دون وقوعها أو تمادي أصحابها، وذلك بانكار المنكر والفساد أولا، ومقاطعة وتحجيم أهله ثانيا، ومن جهة اخرى يسعى المجتمع الى تحسس أوجاع وحاجات أبنائه فيكون المجتمع بذلك كالجسد الواحد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، اضافة الى سد أبواب الفساد والشر ودرء الحدود بالشبهات، فالإسلام يوفر العيش الكريم والعمل الشريف ويرعى الفقراء والمساكين قبل أن يقيم حد السرقة أو يقطع الايدي، كما ويأمر بغض البصر وينهى عن الخلوة بالاجنية وعدم الاختلاط، ويمنع كل صور العري والعلاقات المشبوهة، ويأمر بالحجاب والسترة ويسهل سبل الزواج قبل اقامة حد الزنى من خلال التشريعات العامة والخاصة.
    ومن أهم ملامح الجانب الوقائي كذلك اصلاح الجاني، وفتح أبواب التوبة أمامه على مصراعيها، وعدم تيئيسه من رحمة الله، وحثه على الاقلاع والندم، وعدم التمادي في الباطل.
    فالمجتمع الاسلامي يقوم على ركيزتين اساسيتين هما الدعوة الى الفضيلة والستر، ولذلك فتح للعصاة والمذنبين باب التوبة على مداه، ولم يجعل لليأس طريقاً الى قلوبهم ونفوسهم، قال تعالى: >قل ياعبادي الذين أسرفوا على انفسهم لاتقنطوا من رحمة الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا، إنه هو الغفور الرحيم< آية 53سورة الزمر ، وعندما يأتي أحدهم الى رسول الله عليه الصلاة والسلام ليقول: لقد رأيت فلانا يزني، يقول عليه الصلاة والسلام: (لو سترته بثوبك لكان خيرا لك) رواه ابو داود، وعندما يخبرونه عن نية ماعز في الهروب عندما أرادوا اقامة الحد عليه يقول عليه الصلاة والسلام: (هلا تركتموه يهرب ويتوب ويتوب الله عليه) رواه أحمد، وعندما لا يفلح الجانب الوقائي في بعض النفوس، يصبح من المؤكد وجوب الاخذ بالجانب العلاجي في الاسلام الذي يرتب لكل جناية عقوبة، يقول الله تعالى فيه: >ولكم في القصاص حياة ياأولي الالباب< آية 179سورة البقرة .
    ويحدثنا التاريخ عن أشخاص كثيرين كانوا من عتاة المجرمين، ثم هداهم الله فتابوا واستقاموا وحسن دينهم، ورسخت عقيدتهم، واصبحوا من كبار الزهاد والعباد، فها هو الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى وكان قاطعاً للطريق، خرج ذات ليلة يقطع الطريق فسمع أحدهم يقرأ قول الله تعالى: >ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق..< آية 16سورة الحديد ، فقال: بلى والله قد آن، فكان هذا مبتدأ توبته وصلاحه رضي الله عنه.
    ثم إن الإسلام قد حذر المجتمع والدولة من تبعة هذه الجريمة التي ربما شارك المجتمع في تفشيها، وساهم في وقوعها، وهاهو العلامة ابن القيم يذكر في كتبه أنه اذا مات انسان في محلة من الجوع ألزم الإمام أهل ذلك المكان بدفع الدية، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم) رواه البزار والطبراني.
    وأما قصة المرأة التي كانت تأمر ابنتها بأن تخلط اللبن بالماء فتأبى وتقول: إذا كان أمير المؤمنين لايرانا، فإن رب أمير المؤمنين يرانا، لهي خير شاهد على أنه حيثما وجدت العقيدة السليمة والخوف من الله أمن المسلمون على أقواتهم وأرزاقهم.
    فمن خلال هذه الملامح العامة والمشرقة للمنهج الإسلامي في مكافحة الجريمة واستقراء للتاريخ الإسلامي وأثر تطبيق هذا المنهج المؤيد بالرسول والرسالة، يتبين لنا تميز هذا المنهج، وبالتالي هذا الدين، الذي جاء ليحكم الحياة ويكون واقعا ملموسا ومطبقا، وكيف لا، وهو تنزيل العليم الحكيم، قال تعالى: >
    ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير< سورة الملك آية 14 .
    نقول هذا ونحن نرى التخبط الذي تترنح فيه التشريعات المعاصرة البعيدة عن هدي السماء فنرى الإخفاق في التشريع، والقصور في التطبيق، وبالتالي الضعف في تجاوب الناس، فتزداد نسب الجريمة وتتنوع أشكالها، بمقدار تنوع شهوات الانسان وطمعه، في الوقت الذي يحدثنا فيه التاريخ عن أسباب استقالة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، من ولاية القضاء في خلافة أبي بكر الصديق، لأنه مكث سنة كاملة لاترفع اليه خصومة، فهذا مجتمع قد عرف كل منهم فيه ماله وما عليه، فلم يبغ أحد على احد، وإن ما اتسم به الإسلام من رحمةوعدالة بلغتا حد المثال في عالم البشر، وما تزخر به كتب التراث عن مجالس القضاء وأحوال القضاة لتؤكد وتبرهن على ربانية هذا المنهج، وخلود هذا الدين.
    إن الإسلام إذا شرع عقوبات زاجرة فقد احتاط في وسائل الاثبات وتحقق عناصر الجريمة وأركانها، أما حيث تختل هذه الأركان والشروط فلا عقوبة، يقول نبي الهدى ورسول الرحمة صلى الله عليه وسلم: >ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة< رواه الترمذي.
    ولذلك نجد أن عمر رضي الله عنه كان ينبه ولاته إلى هذا الامر، فقد روي عنه أنه جمع ولاته وقال للمغيرة: ياهذا ماأنت بصانع لو أتيت بسارق؟ فقال له: أقطع يده، فقال عمر: لو فعلت قطعت يدك. ياهذا إن الله جعلنا على الناس لنسد جوعهم ونوفر حرفتهم ونستر عورتهم، ياهذا إن الله خلق الأيدي لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملا التمست في المعصية أعمالاً.
    وبهذا يرد على أولئك المغرضين الذين يتصورون الإسلام دين قطع اليد والرجم والجلد دون تحقيق او تدقيق.
    إن التربية الإسلامية المستمرة بالحكمة والموعظة الحسنة ومن خلال بيوت الله تعالى - المساجد - ثم التوعية المستمرة بالجريمة وأخطارها من كافة الجهات المعنية، وأيضاً سد الابواب والمنافذ التي تؤدي الى اقتراف الجريمة، ثم إقامة العقوبة الشرعية الرادعة، كل هذه الخطوات تؤدي الى مكافحة الجريمة وتنقية المجتمع من أخطارها.




    منهج الإسلام في مكافحة الجريمة
    يقوم منهج الإسلام في مكافحة الجريمة على أسلوبين رئيسيين
    الأول: - منع وقوع الجريمة أصلا،
    الثاني :- منع تكرارها سواء من فاعلها أو من غيره. وهو يأتي بعد وقوعها
    ويسمي علماء الإجرام المحدثون الأسلوب الأول وقاية، والثاني يسمونه علاجا أو عقاباً
    أولا : الأسلوب الوقائي
    ويمتد هذا الأسلوب بشكل متدرج من نفس الجاني المفترض إلى أن يصل إلى المجتمع كله وفق تسلسل منطقي لا يليق تقديم مرحلة أو تأخيرها عن مكانها، وهذا امتثالا لسنة الله في التغيير والإصلاح التي تلخصها هذه الآية : ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )ويقوم هذا المنهج على المراحل التالية:
    1- الإصلاح الذاتي :
    فأول ما جاء به الإسلام هو تغيير النفوس من الداخل عن طريق الإقناع بالحجة بزمام القلوب ؟ .
    لقد تم للإسلام ذلك عن طريق ربطه بالإيمان بالله تعالى لأن الإيمان عملية ضرورية و قوة خلاقة تحمل الناس على العمل و الالتزام، و لم ينكر أحد هذا الدور للإيمان حتى الملحدون أنفسهم
    و لم يكن الإيمان الذي دعا إليه الإسلام مجرد أقوال أو أفكار،بل ضبطه و حوله إلى حقيقة واقعية عن طريق العبادات،
    فالصلاة مثلا وهي من أوائل وأهم العبادات المفروضة في الإسلام تتوزع على خمسة أوقات في اليوم وذلك يؤدي إلى المحافظة على تهذيب النفس وصفائها طوال اليوم، وقد كان لهذا التوزيع أثر كبير في صرف الناس عن شرب الخمر قبل تحريمها نهائيا و ذلك عند نزول قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة و أنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون )
    ،كما أن الصيام يعتبر مدرسة روحية لها الأثر الكبير في تهذيب النفوس و إماتة نوازع الشر فيها قبل أن تتحول إلى حقيقة واقعة و لذلك قال الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)
    إن أكثر الجرائم التي تقع من المسلمين اليوم تقع في العادة من أناس ضعيفي الإيمان، تاركي الصلاة والصيام، لأن الجرائم تأتي في الحال الذي ينزل فيه الإيمان إلى أدنى درجاته، و لذلك ورد في الحديث : (لا يزني الزاني حين يزني و هو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن(
    2- واجب الأسرة :
    وفيها يتعين وجوب التربية على الأبوين أساسا وهذا العامل يساعد على إنشاء العامل السابق، لأن الإيمان والالتزام بالعبادات ومكارم الأخلاق لا ينشأ من فراغ بل هو يبدأ قبل ولادة الإنسان ويستمر إلى وقت البلوغ، واهتمام الإسلام بهذا الجانب يبدأ من وقت اختيار
    الزوجة المنتظر أن تكون أول مدرسة يتعلم فيها الطفل، ولذلك حرم الإسلام الزواج من غير المؤمنات، ودعا إلى اختيار ذوات الدين منهن، وحث على الاهتمام بالتربية، ومن ذلك قوله تعالى :
    ( يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة)
    3- واجب الأسرة الكبيرة (العائلـــة)
    ) العائلة هم أقارب الشخص من جهة أبيه، وقد حملهم الإسلام جزء من تربية الأولاد، ويتضح ذلك من خلال ما فرضه الإسلام في دية القتل الخطأ ودية القتل شبه العمد التي يجب أن تشترك في أدائها العائلة مع القاتل، وهذا خلاف للقاعدة القرآنية التي تجعل المسؤولية على إطلاقها سواء كانت مدنية أو جنائية مقصورة على القاتل وذلك بنص قوله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى )ومفيد ذلك أن أقارب الرجل من جهة أبيه مدعوون لمراقبة أبناء بعضهم بعضا حتى لا يجدون أنفسهم يوما مضطرين للتعويض عما لم يقترفوه، و هذا يؤدي بهم حتما إلى التعاون في التربية، و هذا من شأنه أن يعوض عن النقص الذي يشوب عمل بعض الأولياء في تربية أبنائهم، فيعودونهم على التزام الحيطة و الحذر، فضلا عن الانحراف، وموضوع العائلة لا يوجد له نظير في التشريعات الحديثة .
    4- واجب المجتمع :
    أشركت الشريعة الإسلامية المجتمع كله في الإصلاح عموما بما في ذلك مكافحة الجريمة، ليؤدي المجتمع بذلك الدور الذي يعجز عنه الفرد مع نفسه أو الأسرة مع أفرادها، فالمجتمع لا يخلو من ضعاف النفوس والضمائر الذين لا ينتفعون بالإيمان والعبادات، كما أن فيه أولياء مهملين لتربية أبنائهم وتنشئتهم بما يقيهم المزا لق المؤدية إلى الجريمة، فلم يبق لهؤلاء من حاجز يحول بينهم وبين ارتكاب الجريمة سوى المجتمع، والمجتمع الذي يريده الإسلام هو المجتمع الذي يسود فيه رأي عام فاضل، لا يظهر فيه الشر ويكون فيه الخير بينا واضحا معلنا،
    ولذلك دعت الشريعة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتبر الإسلام البريء مسؤولا عن السقيم إن رأى فيه اعوجاجا وكان قادرا على تقويمه فعليه أن يفعل، وأن يقومه بلسانه وهدايته ودعوته إلى الخير من غير عنف ولا غلظة، بل يدعوه بالتي هي أحسن .
    وقد أوجب الإسلام تغيير المنكر على كل أفراد المجتمع، كل حسب طاقته، وهو فرض على الكفاية ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره ، يدل على الوجوب قوله تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر )
    وقد أنشأ المسلمون بعد ذلك ما يعرف بالحسبة والمحتسب، ووظيفة المحتسب هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما ليس من خصائص الولاة والقضاة وأهل الديوان ونحوهم، وكثير من الأمور الدينية هو مشترك بين ولاة الأمور فمن أدى فيه الواجب وجبت طاعته فيه
    إن دور المجتمع بصفة عامة والمحتسب بصفة خاصة هو دور وقائي لا يمنع وقوع الجرائم فحسب بل يمنع أيضا ما لا يرقى إلى مستوى الجرائم من مختلف المنكرات التي كثيراً ما تكون نهايتها جرائم، فكم من منكر صغير يتحول اليوم إلى جريمة كبيرة، فرب معاكسة شاب لفتاة تنتهي إلى جريمتين، جريمة الزنا وجريمة القتل، وقد أثبتت الإحصائيات أن نسبة هامة من جرائم القتل كان سببها الانتقام للشرف، كما أن ترك الأمر بالمعروف كثيرا ما يؤدي هو الآخر إلى الجريمة، و كثير من الجرائم يرتكبها أصحابها بدافع من الشعور بالظلم، فلو كان هناك من أمر بالعدل والإحسان ما وقع كل ذلك.
    5- الدور التشريعي :
    يتجلى هذا الدور في النصوص التشريعية الواردة في القرآن والسنة، وكذلك فيما اتخذه الخلفاء الراشدون بعد ذلك من قرارات أو ما نطقوا به من أقوال في هذا المجال،
    وهذه الأحكام التي نص عليها القرآن الكريم على سهولتها وبساطتها وقلة تكاليفها قد حققت من النتائج في وقت وجيز ما لم يحققه غيرها بإمكانيات ضخمة في وقت طويل مما يدل على إعجاز القرآن التشريعي في مكافحة الجريمة




    6-العقوبات في الإسلام.
    لا ينسب النجاح إلى أي تشريع فيما وضع لأجله إلا إذا تحققت فيه أربعة عناصر،
    أولها أن يؤدي الغرض الذي وضع من أجله،
    وثانيها أن يتم له ذلك في أقل زمن،
    وثالثها أن يكون ذلك الغرض قد تحقق بأقل ما يمكن من التكاليف، وآخرها ألا تكون سلبياته أكثر من إيجابياته،
    فإذا انعدم عنصر واحد من هذه العناصر لم يكن التشريع ناجحا ولا فعالا في ما وضع من أجله،
    وفي موضوع مكافحة الجريمة فإن النجاح مرهون بالتقليل من نسب الجريمة في زمن قياسي مع اجتناب التكاليف الباهضة والإفرازات السلبية التي تخلفها عملية المكافحة.
    و هذه العناصر الأربعة لم تتحقق كلها ولا حتى نصفها إلا في تشريع واحد هو التشريع الذي جاء به القرآن الكريم في ميدان مكافحة الجريمة،
    نجاح التشريع القرآني في مكافحة الجريمة في زمن يسير:
    إن أصدق ما يدل على نجاح هذا التشريع في مكافحة الجريمة هو ما تسفر عنه المقارنة بين حال الجريمة في المجتمع العربي قبل الإسلام وما أصبحت عليه بعده بزمن يسير، فعندما نزل القرآن الكريم على العرب كانت الجريمة فيهم هي الأصل، فكانت الأوثان تعبد، والأرحام تقطع، والأموال تنهب، والأرواح تزهق، والغزوات على قدم وساق، ولعل أوجز ما يعبر عن حالهم هو قول شاعرهم وحكيمهم زهير ابن أبي سلمى :
    ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
    ولم يلبث نزول الوحي فيهم إلا ثلاثا وعشرين عاما حتى تغير حالهم من النقيض إلى النقيض،
    وأصبحت الجرائم فيهم استثناء بعد أن ظلت أصلا لمئات السنين، فتحولت العداوة إلى أخوة فاقت أخوة النسب، وتحول الانتقام إلى تسامح، وانتشر الأمن في ربوعهم حتى سار الواحد منهم من شرق الجزيرة إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، وتحقق فيهم قول القرآن الكريم : (واذكروا إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا )
    في حين أن القوانين الوضعية الحديثة التي يعتبرها أهلها أكثر القوانين إحكاما في مجال مكافحة الجريمة لم تنجح بعد فيما وضعت من أجله وهو مكافحة الجريمة بعد مرور أكثر من قرنين على تاريخ وضعها، وهذا باعتراف أهلها الأصليين
    إن نجاح التشريع القرآني غير مرتبط بالصرفة كما يمكن أن يدعيه البعض، كأن يقولوا مثلا إنما صرف الله القلوب والنوازع عن أن تفكر في الجريمة أو تقدم عليها على نحو صرفه للعرب أن يأتوا بمثل القرآن، وهو كلام غير صحيح أيضا فقد حاول بعض المتنبئين أن يأتوا بمثل القرآن ولكنهم فشلوا في ذلك مثل مسيلمة الكذاب،
    وإنما نجح التشريع القرآني فيما فشلت فيه القوانين الوضعية الحديثة بحكم اعتماده على منهج علمي فريد في مكافحة الجريمة، وكل مجتمع استند إلى هذا المنهج لا يشك أبدا في نجاحه مهما كان زمانه ومكانه، وهذا المنهج استقرأناه من النصوص المختلفة الواردة سواء في القرآن أو السنة، وهذا المنهج هو الذي نجح به التشريع القرآني في تلك الفترة الزمنية اليسيرة

    مكافحة الجرائم بمعول العقوبات الشرعية
    أخذت التشريعات الجنائية الإسلامية على عاتقها عبء مكافحة الجريمة والتصدي لها بلا هوادة أو فتور, حماية للمجتمع من أن يقع فريسة لها بمختلف أنواعها, والذي سيؤدي, حتماً, إلى ضياع بوصلة الاستقرار الاجتماعي, تلك الركيزة الأساسية لإمكانية قيامه أي المجتمع يعبئ واجب الخلافة عن الله تعالى في إعمار الأرض. تلك المهمة التي لن يكون قادراً على القيام بها ما دام واقعاً تحت أسر رعب الجريمة التي ستشل أركانه بالخوف, فيغدو أفراده خائفين وجلين خانعين لا يكاد الواحد منهم أن يساهم بالحد الأدنى من واجبه المجتمعي الشامل.
    وتتجلى مظاهر مكافحة الجريمة في الإسلام واضحة في تشريعه سياسة عقابية مُثلى تأخذ في اعتبارها (تغطية) ما كان سائداً من الجرائم وقت التشريع, في الوقت الذي تترك فيه الباب مفتوحاً للاجتهاد في سن القوانين واقتراح عقوبات أخرى لما يستجد من الجرائم والجنح على مر الزمان وتعاقب الأيام.
    لقد أخذ التشريع الجنائي الإسلامي بسياسة التقسيم الثنائي للعقوبة. فهناك العقوبات المدرجة تحت ما يطلق عليها: " الحدود" التي هي, كما يقول الدكتور وهبة الزحيلي في كتابه: ( الفقه الإسلامي وأدلته): "العقوبات المقدرة من الشارع نوعاً ومقداراً بالنصوص الصريحة". وهذه الحدود محصورة بجرائم "الزنا والقذف والسرقة والحرابة وشرب المسكر والقصاص".
    مقابل تلك العقوبات المقدرة نوعاً ومقداراً. هناك العقوبات غير المقدرة, وهي التي فوض الشارع أمر تقديرها, نوعاً وكما, إلى الحاكم لمعاقبة المجرم بما يكافئ جريمته ويقمع عدوانه ويحقق الزجر والصلاح. وتسمى هذه العقوبات في الفقه الإسلامي ب"التعزيرات". وتشريع هذه العقوبات غير المقدر نوعها ولا كميتها, هي ما يميز التشريع الجنائي الإسلامي, ضمن تميز الشريعة كلها, في مراعاته لظروف الزمان والمكان بتغطيتها لكافة النوازل الإجرامية الجديدة. والشرط الأهم في تلك العقوبات أن تكون كافية لزجر المجرم وإصلاحه والحد من تنامي الجرائم وحماية المجتمع المسلم من أن يقع عرضة لما يترتب عليها من عدم الشعور بالأمن الذي هو مقدمة للتفسخ الاجتماعي. نجد مصداق ذلك في تقديم الله تعالى للخوف, الذي هو ضد الأمن, في تهديده لبني إسرائيل بقوله تعالى: (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات). وهذا يعني أن العقوبة إذا قصُرت عن أن تؤدي مفعولها في زجر المجرمين عن أن يتمادوا بجرمهم, فسيكون ذلك مدعاة لانتشار الجريمة بما تؤدي إليه من انتشار الخوف الذي قدمه الله تعالى على باقي العقوبات الأخرى, بما فيها عقوبة الجوع المؤدي إلى الهلاك!.
    من ضمن الجرائم, التي بات المجتمع لدينا يحسب لها حساباً عسيرا, جريمة "الاختطاف" التي يُخشى أن تتحول, إن لم تتدارك, إلى ظاهرة تعصف بأركان المجتمع. إذ أنها "تتميز", بالإضافة إلى ما يترتب عليها من إيذاء بدني للمختطف, بإمعانها في الإيذاء النفسي للضحية, الذي يصعب التشافي منه مستقبلا. ويأتي على رأس تلك الإيذءات النفسية التي يُبتلى بها المختطف ما يتصل باستغلاله "جنسياً" من قبل مختطفيه. إذ يعتبر الاستغلال الجنسي من أهم أسباب الاختطاف في السعودية, وفقاً للدكتور عبد الرحمن عسيري, أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. والذي يرى, من جهة أخرى, أن "الاختطاف" ظاهرة غير مرصودة علمياً في المملكة,( جريدة الوطن, 15/3/2009م, في حوار حول جريمة الاختطاف).
    ولا يمكن في تقديري الحد من تلك الجريمة, ناهيك عن القضاء المبرم عليها, ما لم تطبق أقصى العقوبات على مرتكبيها. خاصة وأن ثمة متسعا في الأخذ بالجانب التعزيري من العقوبات الشرعية, بما لايحده حد. ومن الطبيعي القول بأن التراخي في الأخذ على يد المختطفين سيسهل التمادي فيها بما سيحولها إلى ظاهرة, هذا إن لم تكن تحولت إلى ظاهرة بالفعل. وبين أيدينا رأي يقارب تخوم هذا التحذير, إنه تحذير عضو لجنة المناصحة بالمملكة, وعضو مجمع الفقه الإسلامي, الدكتور محمد النجيمي, الذي يرى أن "من أسباب تلك (الظاهرة) انتشار المخدرات والمسكرات ووجود الحالات النفسية وضعف الوازع الديني, كما أن الناس لم يسمعوا بعقوبات قوية في الآونة الأخيرة, محذراً من الآثار السلبية لتلك (الظاهرة) على المجتمع, وفي مقدمتها ضياع الأمان والترويع".
    والاختطاف بحد ذاته جريمة, حتى وإن لم يترتب عليه إيذاء من المختطف لضحيته. إذ يكفي ما يترتب عليه من الترويع, فقد روى ابن عمر مرفوعا: " لا يحل لمسلم أو مؤمن أن يروع مسلما". ولذلك, فإن أحد أوجه عقوبة التعزير أن تمتد إلى قتل المعزَّر, خاصة مع تكراره لجريمته, وبالأخص, عندما تكون جريمة الاختطاف موجهة إلى الحلقة الأضعف في المجتمع: الأطفال والنساء!.
    ويزداد الأمر سوءاً بالنسبة لجريمة الاختطاف, على ما هي عليه من سوء بذاتها, عندما يترتب عليها قيام المجرم بتصوير اعتدائه الجنسي على ضحيته وتوزيع الصور على أكبر قدر ممكن من الهواتف المحمولة بواسطة تقنية البلوتوث, أو بواسطة بثها على الشبكة العنكبوتية, وهو أمر سهل وميسور لأقل الناس معرفة وإمكانيات, مما يجعل من تمني الموت, سواءً بالنسبة للضحية تجاه نفسها, أو بالنسبة لأهله تجاه ابنتهم/ ابنهم المختطف أحدهما, حقيقة لا مجازا. فأحد من أُستُضيفوا في الحوار المذكور قال بالنص: " أنا أفضِّل أن يموت ابني بدلاً من أعرف أنه مختطف, وأن أحداً أهان إنسانيته أو أنه تعرض للاغتصاب!". أما إحدى النساء اللواتي أُستضفن فقد عبرت, بصدق, عن الرعب الذي بدأ يجتاح أفراد المجتمع جراء ما يتلى على مسامعهم من قصص الاختطافات بقولها: "إن الحاضر أصبح يحمل العديد من حكايات اختطاف الأطفال وصغار السن. فكل يوم يحمل لنا حكاية لفتاة مختطفة, ويكشف حسرة قلب أسرتها على غيابها. وبحثهم المضني عنها. وتتردد حكايتها في وسائل الإعلام". وتضيف: "إن كل هذه الأمور أصبحت تخيف الأم والأب, وتحد من حرية الطفل في الاختلاط مع أقرانه في الشارع, أو الحياة بشكل اجتماعي دون عقد". ثم تختتم آهاتها بالقول: "أصبحنا نحذر صغارنا من الاستجابة لأية مغريات, بسبب كثرة ما نسمع من حكايات تجعلنا نخاف على الصغار, حتى في المدرسة والشارع والدكان, حيث نلاحقهم بالتحذيرات".
    إن نفساً ترضى بأن تغتصب طفلا أو طفلة لم يتعديا العقد الأول من عمرهما لهي نفس موغلة في الإجرام, متجردة من أدنى ما يمكن أن تتوافر عليه النفس البشرية من الرحمة والشفقة والخوف من الله. ومن ثم فلا يمكن, في تقديري, التعامل مع تلك الجرائم بجدية واحتراف, ما لم يتجه القضاء لدينا إلى تفعيل أقصى العقوبات المقررة في الشريعة, بما فيها, كما يقول الفقهاء, "استخدام عقوبة التعزير بالقتل سياسة".
    من جهة أخرى, فلا بد من القول على أنه يجب أن لا تأخذنا, في التصدي لتلك الجريمة ومثيلاتها, لومة لائم من هنا وهناك, ممن يزعمون بأنها, أي تلك العقوبات, انتهاك ل "حقوق" الإنسان. فنحن نعرف من السياق السياسي المعاصر أن التهم التي تطلقها بعض الحكومات الغربية, أو بعضٌ من تلك المنظمات المرتبطة ,عضوياً , بمصالحها, حيال ما تصفه "انتهاكاً لحقوق الإنسان", دائماً ما تُلبس لبوساً سياسياً براغماتياً صرفا. نجد الولايات المتحدة الأمريكية, مثلاً, كثيراً ما ترفع ورقة "حقوق" الإنسان في وجه دول محددة, الصين مثلاً, عندما تكون مصالحها معها, أو مع الدول التي تدور في فلكها, في خطر. بينما تختفي تلك الورقة الشفافة عندما تعود مياه مصالحها إلى مجاريها. ولذلك فهي, أعني تلك الحكومات الغربية والمنظمات الدائرة في فلكها, تغض الطرف تماما عن دول أخرى تنتهك فيها حقوق الإنسان في أدنى درجاتها!, لعدم وجود مصالح لها معها. أو أن لها مصالح, لكنها ليست في وضع خطر يجعلها أي تلك الدول مضطرة لاستخدام ورقة "حقوق الإنسان"!.
    ذلك من ناحية, ومن ناحية أخرى, فإن تخفيف العقوبة على مرتكب جريمة الاختطاف, أو ما يناظرها من الجرائم الأخرى, بحجة مراعاة "حقوق" الإنسان, لا يعني, في نتيجته النهائية, إلا انتهاكاً حقيقياً لحقوق الإنسان المختطف الذي لم يكتف من اختطفه بترويعه وإرغامه على التوجه معه نحو المجهول, بل زاد على ذلك بالاعتداء الجنسي عليه وبث فضيحته على الملأ. اللهم إلا إذا كان المعتدي, في نظر تلك الدول والمنظمات التي تدور في فلكها, إنساناً "سوبر" له حقوق وليس عليه واجبات. بينما المعتدَى عليه إنسان مجرد من كافة الحقوق!.
    وعوداً على بدء, فقد أكد الدكتور محمد النجيمي في حديثه في ذلك الحوار بأن "الاختطاف بجميع أشكاله, سواء أكان لامرأة أو طفل أو طائرة, صنفته هيئة كبار العلماء على أنه نوع من الحرابة التي تحدث عنها القرآن الكريم في قوله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم). والكرة الآن في مرمى القضاء الذي لديه عدة خيارات في تحديد نوع العقوبة التي ينتظر المجتمع أن يفرضها على جرائم الاختطافات, فإما أن يعتبرها حرابة, وبالتالي يقرر بحق مرتكبيها حد الحرابة. وإما أن يقرر بحقها عقوبة تعزيرية, وله بالتالي الحق في تقرير أقصى ما يمكن من العقوبات التي تحد من الجريمة, بما فيها عقوبة القتل, خاصة بحق من يختطفون الأطفال أو الفتيات ويعتدون عليهم جنسياً. أما أن تقابل جريمة مروعة بحجم جريمة الاختطاف, ببضع سنوات من السجن وعدد من الجلدات, فذلك لعَمري هو الانتهاك الحقيقي لحقوق الإنسان, وليس أي إنسان, إنه من يشكل الحلقة الأضعف في المجتمع: المرأة والطفل!.


    دور المواطن المسلم فى مكافحة الجريمة

    الجريمة داء سرطاني ينخر في جسم المجتمع، مما دعا الجميع التضافر في مكافحته ومن اجل ذلك ظهرت النظريات التي تعرف الجريمة وتشخصها والآليات التي تكافحها وسنت القوانين، ولم يقتصر الأمر على المستوى الوطني بل تعداه إلى الاهتمام العالمي، وأسست المنظمات الدولية لمكافحة الجريمة بكل أصنافها، فهذا الاهتمام الواسع هل كان محل اهتمام المشرع في منح المواطن دور في مكافحة الجريمة ؟ وسيكون التشريع العراقي محلا للتطبيق في الإجابة على هذا التساؤل.
    وقبل الولوج في الإجابة لابد من معرفة معنى الجريمة وكذلك معنى المواطن في القانون وليس بالتعريف الفقهي أو السياسي أو سواه، لان كل مجال لمن العلوم الإنسانية له رؤيا خاصة تجاه المعنى على وفق معطيات تناوله في الدراسة أو التطبيق، حيث نجد في المنظومة القانونية العراقية إشارة إلى معنى الجريمة وكذلك المواطن، ففي من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل لم يعرف الجريمة مثلما ذكرها فقهاء القانون الجنائي وإنما أعطاها وصفا حينما ذكر في نص المادة (1) منه على أن (لا عقاب على فعل أو امتناع إلا بناء على قانون ينص على تجريمه وقت اقترافه ولا يجوز توقيع عقوبات أو تدابير احترازية لم ينص عليها القانون)، بمعنى إن الجرائم هي الأفعال التي ينص على تجريمها القانون ويضع لها عقوبة مناسبة وهذا ما يسمى بمبدأ المشروعية (لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص أو بناء على نص).
    كما عرف في نص الفقرة (1) من المادة (19) المواطن بما يلي (المواطن: هو أحد رعايا جمهورية العراق ويعتبر في حكم المواطن من لا جنسية له إذا كان مقيما في الجمهورية)، لذلك فان المسؤولية تجاه الأفعال الجرمية هي على المواطن الذي يعد من رعايا الدولة العراقية أو الذي يعتبر بحكم المواطن على وفق ما تقدم بالدرجة الأساس، إلا إن ذلك لا يمنع غير المواطن من تحمل المسؤولية تجاه الجرائم، إذا علم بوقوعها أو من الممكن المساهمة في منعها لان الواجب الأخلاقي، الذي هو أسمى من الجانب القانوني، يفرض على الجميع التعاون من اجل مكافحة الجريمة، ودعت إلى ذلك اغلب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية.
    اما في التشريعات العراقية نجد إن المشرع حمل المواطن مسؤولية قانونية ورتب على إثرها عقوبة لمن يمتنع عن الإخبار عن وقوع الجريمة أو الذي يتستر على الجاني، وكذلك الممتنع عن تقديم المساعدة إلى المكلفين بحفظ النظام والقانون، وأشار إلى ذلك في نص المادة (47) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة 1971 المعدل على ما يلي (لمن وقعت عليه جريمة ولكل من علم بوقوع جريمة تحرك الدعوى فيها بلا شكوى أو علم بوقوع موت مشتبه به أن يخبر قاضي التحقيق أو المحقق او الادعاء العام او احد مراكز الشرطة) فأصبح من الواجب على المواطن ان يخبر السلطات المختصة إذا علم بوقوع جريمة أو إنها ستقع مستقبلا، ورتب المشرع على الامتناع عن ذلك الأمر عقوبة بمعنى أصبح الفعل جريمة يعاقب عليها القانون على وفق أحكام نص المادة (245) من قانون العقوبات النافذ التي تنص على ما يلي:
    (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة واحدة وبغرامة لا تزيد على مئة دينار او بإحدى هاتين العقوبتين كل من كان ملزما قانونا بإخبار احد المكلفين بخدمة عامة بصفته الرسمية عن امر فاخبره بأمور يعلم إنها كاذبة وكل من اخبر احد المكلفين بخدمة عامة بصفته الرسمية بأمور يعلم انها كاذبة قاصدا بذلك حمله على عمل شيء او الامتناع عن عمل خلافا لما كان يجب عليه القيام به لو ان حقيقة الواقع كانت معلومة لديه).
    كما ان المشرع العراقي لم يعاقب على الممتنع عن الإخبار، وإنما أيضا على الذي لم يقدم المعونة إلى اعضاء الضبط القضائي المشار إليهم في نص المادة (39) من قانون العقوبات العراقي النافذ، المقصود هنا، رجال حفظ القانون، حيث اشار في نص المادة (242) من قانون العقوبات العراقي النافذ على ما يلي (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر وبغرامة لا تزيد على مائة دينار او باحدى هاتين العقوبتين كل من امتنع بغير عذر عن المعاونة الواجب عليه تقديمها لمحكمة او قاض او محقق تنفيذا لواجباته القضائية او لموظف او مكلف بخدمة عامة تنفيذا لواجبات عمله بعد ان طلب منه تلك المعونة).
    كما إن قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005 شدد عقوبة المتستر عمدا على الأعمال الإرهابية بمعنى الذي لم يخبر عنها مع تحقق علمه وكان ذلك عمدا وجعل العقوبة تصل إلى حد السجن المؤبد على وفق أحكام الفقرة (2) من المادة (4) منه عندما نص على ما يلي:
    (يعاقب بالسجن المؤبّد من أخفى عن عمد إي عمل إرهابي أو أوى شخص إرهابي بهدف التستر).
    وتوجد أحكام كثيرة ومتفرقة يستدل منها على إن الأمر هو من أهم الواجبات التي تقع على المواطن في الأخبار وتقديم المعونة والمساهمة في ردع المجرمين ومكافحة الجريمة، ولم يكتفي المشرع بذلك بل عمد الى مبدأ الثواب والعقاب ففي نصوص أخرى أثاب على فعل الإخبار ومنح الجوائز والمكافأة عليه، وعد الإخبار الذي سهم في كشف الجريمة قبل وقوعها من الأعذار القانونية المعفية من العقاب وفي أحكام أخرى عده أعذار قانونية مخففة للعقوبة على وفق التفصيلات الواردة في قانون العقوبات العراقي والقوانين الأخرى.
    أضف إلى ذلك سعي المشرع إلى تأمين الحماية للمواطن المخبر في عدم ذكر اسمه او عنوانه على وفق ما ورد في نص الفقرة (2) من المادة (47) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل وعلى وفق ما يلي (¬ للمخبر في الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي او الخارجي وجرائم التخريب الاقتصادي والجرائم الأخرى المعاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد أو المؤقت أن يطلب عدم الكشف عن هويته وعدم اعتباره شاهدا، وللقاضي ان يثبت ذلك مع خلاصة الإخبار في سجل خاص يعد لهذا الغرض ويقوم باجراء التحقيق وفق الاصول مستفيدا من المعلومات التي تضمنها الاخبار دون بيان هوية المخبر في الاوراق التحقيقية).
    وكذلك ما ورد في نص المادة (5) من قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 (1. يعفى من العقوبات الواردة في هذا القانون كل من قام بإخبار السلطات المختصة قبل اكتشاف الجريمة او عند التخطيط لها وساهم إخباره في القبض على الجناة او حال دون تنفيذ العمل.2. يعد عذرا مخففا من العقوبة للجرائم المنصوص عليها في المادة الثانية من هذا القانون للشخص اذا قدم معلومات بصورة طوعية للسلطات المختصة بعد وقوع او اكتشاف الجريمة من قبل السلطات وقبل القبض عليه وأدت المعلومات الى التمكن من القبض على المساهمين الآخرين وتكون العقوبة بالسجن).
    ومن خلال العرض لبعض النصوص القانون نتساءل، هل إن الإخبار عن الجريمة او التي ستقع يعد حقا للمواطن شاء ان يستعمله او لم يستعمله، ام انه واجبا عليه يلزم بأدائه على وفق أحكام القانون، أرى ان الأمر هو حق وواجب فالحق ممنوح له بموجب القواعد الأخلاقية والإنسانية بان يمنح المواطن دور في مكافحة الجريمة لان أثارها تقع عليه وتتعدى على حقوقه ومن واجب الدولة ان تحمي هذه الحقوق.
    في الدستور العراقي نجد انه كفل حق المواطن في حقه في الحياة ويعد ذلك من الحقوق التي منحها الدستور للمواطن في نص المادة (15) على ما يلي (لكل فردٍ الحق في الحياة والأمن والحرية، ولا يجوز الحرمان من هذه الحقوق أو تقييدها إلا وفقاً للقانون، وبناءً على قرارٍ صادرٍ من جهةٍ قضائيةٍ مختصة)، كما إن الواجب يحتم على المواطن أن لا يقف موقف المتفرج تجاه هذه الجرائم، لان الدولة تتكون من عدة عناصر أهمها المواطن فان لم يسهم في الحماية بالقدر الذي يتمكن عليه فإنها سوف لن تتمكن من توفير الحماية له ولحقوقه من الاعتداء، وأساس الإلزام ورد في نص الدستور العراقي في الفقرة أولا من المادة (27) على ما يلي (للأموال العامة حُرمة، وحمايتها واجِب على كل مواطن)، ومن أوجه الحماية هو الأخبار عن الجريمة، مثلما ذكر ذلك في نصوص القوانين النافذة وعلى وفق ما ذكر آنفاً.
    لذلك أرى أن المواطن يتحمل المسؤولية الكبرى في انتشار الجريمة، إذا لم يمارس دوره في الإخبار عن الجرائم أو السلوكيات التي تؤدي إلى ارتكاب جرائم، ويظهر ذلك على وجه الخصوص في جرائم الفساد الإداري والمالي وجرائم الإرهاب، ومسؤوليته اكبر من مسؤولية الموظف الذي يتبؤ المناصب الحكومية العليا أراه لسببين، الأول في اثر الجريمة الإرهابية على المواطن اكبر من الموظف المحصن بارتال الحمايات أو القلاع المحصنة، فان معظم ضحايا الأعمال الإرهابية هم من المواطنين العزل بينما لا يصيب الآخرين المحصنين إلا اليسير أو إنها تصيب أفراد الحماية دون المسؤول، فهذا وجه المسؤولية على المواطن في الإخبار عن الجرائم من اجل حمايته ودرء الأخطار عنه وعن أمواله ومصالحه.
    أما السبب الثاني يتعلق بجرائم الفساد الإداري فان المسؤولية تجاه المواطن اكبر من غيره من الموظفين الحكوميين من أصحاب المناصب العليا، لان الفساد صنو السلطة حتى إن منظمة الشفافية الدولية عرفت الفساد المالي والإداري هو توظيف إمكانيات السلطة للمنافع والمصالح الشخصية، والضحية يكون المواطن العادي لان الفساد المالي سيؤدي إلى هدر المال العام المعد لتحقيق الرفاهية للمواطن، او قد يؤدي إلى سرقته واختلاسه عمدا من قبل الموظف أو المسؤول، لذا لا يمكن تصور أن يقوم ذلك الموظف بالإخبار عن جريمته، بل إن بعضهم يرى بان فعله هو من باب الصلاح وانه مصلح وتراه يتمشدق بعبارات الإخلاص والتفاني تجاه المواطنين عند ظهوره في وسائل الإعلام أو في المناسبات الانتخابية وهؤلاء لم يكونوا طارئين او مستحدثين في المجتمع بل إنهم من العصور الغابرة يفسدون فيعدون أنفسهم من المصلحين وأشار إليهم القرآن الكريم في الآيتين (11، 12) من سورة (البقرة) (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون).
    ويرى البعض من هؤلاء إن مقامه من القدسية التي لا تمسها الشبهات فتثير ثائرته، إذا ما أشير إليه حتى ولو من بعيد، مما يجعل المسؤولية تقع حصرا على المواطن، وهذا سوف لن يؤدي إلى كشف المفسدين فحسب بل إلى ردع الآخر الذي لازال لديه بعض من خشيته الله عز وجل، واخلص إلى الدعوة إلى تفعيل دور المواطن في مكافحة الجريمة، وهذا يعد من باب الرقابة الشعبية التي تمارس في مجال محاسبة الجاني، ولا تقف الدعوة عند الأشخاص بل إلى منظمات المجتمع المدني التي تعد من أهم واجباتها حماية المجتمع من التعدي على كينونته، وبكافة الوسائل سواء كانت تثقيفية أو تطويرية او الإخبار عن التجاوزات على المال العام، ومما لابد من الإشارة إليه إن الأجهزة الحكومية أو الشعبية الرقابية لديها عناوين على البريد الالكتروني وهواتف مفتوحة تتيح للمواطن فرصة الإخبار عن الجرائم دون عناء الذهاب إلى مكانها

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة نوفمبر 16, 2018 4:53 am